المقريزي
136
المقفى الكبير
لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة « 1 » بإلزام الفقهاء بذلك . ثم جلس في حادي عشرينه لعرض الناس فعرضوا عليه طوائف طوائف من الفقهاء والأشراف وأهل الأسواق ، فقدّم على كلّ طائفة رجالا يلون أمرهم . فقدم غازان في أوائل سنة سبعمائة إلى أنطاكية ، وجفل الناس قدّامه إلى دمشق . فخرج السلطان بعساكره من مصر إلى العوجاء ، ثمّ عاد فاشتدّ خوف أهل دمشق وسار أكثرهم إلى مصر . ونادى الأفرم في تاسع جمادى الأولى : من أقام بعد هذا النداء ، فدمه في عنقه ، ومن عجز عن السفر فعليه بالقلعة . فجفل الكافّة وغلت أسعار المبيعات فبلغت غرارة القمح ثلاثمائة درهم ، والرطل من لحم الضأن تسعة دراهم . واشتدّ الإرجاف بمجيء غازان ، فخلت بلاد الشام من أهلها وساروا بأجمعهم إلى مصر . ثم سكن الحال إلى أن كانت وقعة شقحب في رمضان سنة اثنتين وسبعمائة فشهدها . ثمّ خرج في ثاني المحرّم سنة خمس وسبعمائة من دمشق بالعساكر لقتال أهل جبل كسروان بعد ما نادى في الناس : من تأخّر من الأجناد والرجّالة شنق . فسار في خمسين ألفا ، ونازلهم وخرّب ضياعهم ، وقطع كرومهم ، وقاتلهم أحد عشر يوما وملك الجبل عنوة وقتل من أهله جماعة وأسر ستّمائة رجل . وغنم العسكر [ 211 أ ] مالا عظيما ، وعاد في رابع صفر إلى دمشق « 2 » . وأنشأ بصالحيّة دمشق جامعا جليلا في سنة سبع وسبعمائة ، ومدّ بعد فراغه للناس سماطا عظيما عليه سائر أنواع الأطعمة والحلاوات ، وحضره أهل العلم والصلاح . ثم مدّ من الغد سماطا آخر للأمراء . ولمّا قلق الملك الناصر من شدّة الحجر عليه وتوجّه إلى الكرك بحيلة أنّه يريد الحجّ ، وكتب إلى أمراء مصر أنّه نزل عن ملك مصر ، قام الأمير بيبرس الجاشنكير في السلطنة وكتب إلى نوّاب الممالك بالدخول في طاعته ، فما منهم إلّا من أجاب بالسمع والطاعة ، ما عدا الأفرم ، فإنّه قال « 3 » : بئس ما فعله الملك الناصر بنفسه ، وبئس ما فعله أيضا خوشداشنا - يعني بيبرس - وأنا فما يمكنني الآن أن أحلف للسلطان الملك المظفّر ، وقد حلفت لغيره - يعني الناصر - ولكن أنا أرسل من جهتي إلى الملك الناصر رسولا وأرسل معه شهودا يشهدون عليه أنّه خلع نفسه ، ويأذن لي في الحلف لغيره . وبعث على البريد طائفة من أعيان دمشق [ 211 أ ] فعادوا بجوابه ، يتضمّن شكره والثناء عليه ويعرّض بأنّه ترك السلطنة . فأصبح يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة . وقد جمع الناس بجامع بني أميّة ، وقرئ عليهم تقليده بنيابة دمشق على عادته ، وزيد في ألقابه وتعظيمه وتفخيمه ، وخطب للملك المظفّر ، وزيّنت المدينة زينة جليلة . فاستمرّ إلى أن تحرّك الناصر من الكرك يريد ارتجاع الملك إليه فدافعه عن ذلك ، وقام بأمر الملك المظفّر قياما عظيما ، والعساكر تتمرّق من بين يديه وتصير إلى الملك الناصر حتى ذهب أكثرهم ، وعزم من بقي من أمراء دمشق بها على قبضه . ففرّ ليلا إلى الشقيف .
--> ( 1 ) بدر الدين ابن جماعة : انظر ترجمته في المقفّى 5 / 89 رقم 1632 . ( 2 ) السلوك 2 / 14 . ( 3 ) السلوك 2 / 47 .